
لسنوات طويلة، اعتاد مرضى القولون العصبي على سماع عبارة محبطة تتكرر باستمرار: "الأمر كله في عقلك". ولكن هل هذا صحيح حقاً؟ هل القولون العصبي حالة نفسية، أم عصبية، أم اضطراب هضمي حقيقي؟
الإجابة، وفقاً للعلم الحديث، أكثر دقة وطمأنة من مجرد تصنيف واحد. ففي إطار برنامج "صحة مستدامة"، ناقش الدكتور حكم البلعاس، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد والمناظير المتقدمة في مستشفى جامعة فقيه، هذا السؤال تحديداً، مسلطاً الضوء على ما تكشفه أحدث الأبحاث حول العلاقة القوية بين الدماغ والأمعاء.
.jpg)
تعد متلازمة القولون العصبي واحدة من أكثر اضطرابات الجهاز الهضمي شيوعاً في العالم، وتتميز بمجموعة من الأعراض المتكررة، تشمل:
القولون العصبي حالة مزمنة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على جودة الحياة. ولأنها لا تظهر كضرر ملموس في الفحوصات التقليدية، فقد أسيء فهمها في كثير من الأحيان، بل وتم تجاهلها أحياناً باعتبارها "مجرد توتر" أو مشكلة نفسية بحتة.
تاريخياً، كان القولون العصبي يقع في منطقة رمادية؛ فالبعض يراه مشكلة هضمية جسدية، بينما يراه آخرون مشكلة نفسية نظراً لارتباط الأعراض الوثيق بالتوتر والقلق. هذا التفكير القائم على خيار واحد من اثنين ترك العديد من المرضى يشعرون بأن معاناتهم غير مسموعة، وكأن أعراضهم الجسدية الحقيقية لا تؤخذ على محمل الجد.
تعيد الأبحاث الحديثة صياغة السؤال بالكامل؛ فالقولون العصبي ليس إما نفسياً أو جسدياً. إنه اضطراب معقد متجذر في التواصل ثنائي الاتجاه بين الدماغ والجهاز الهضمي، وهو ما يسميه العلماء "محور الدماغ-الأمعاء".
الدماغ والأمعاء في حوار مستمر؛ فهما مرتبطان بشبكة واسعة من الأعصاب والهرمونات والإشارات الكيميائية التي تتبادل الرسائل ذهاباً وإياباً. حتى أن الأمعاء تُسمى أحياناً "الدماغ الثاني" نظراً للعدد الهائل من الخلايا العصبية التي تبطن الجهاز الهضمي.
عندما يعمل هذا التواصل بسلاسة، تتم عملية الهضم دون أن نشعر. ولكن عندما يضطرب هذا الإرسال، قد تظهر نتائج مثل الألم، وتغير حركة الأمعاء، والحساسية المفرطة، وهي السمات المميزة للقولون العصبي. وهذا هو السبب أيضاً في أن العوامل النفسية مثل التوتر والقلق وقلة النوم يمكن أن تحفز الأعراض الهضمية أو تزيدها سوءاً، ولماذا يمكن للانزعاج الهضمي، في المقابل، أن يؤثر على المزاج والصحة العامة.
قدمت دراسة حديثة أدلة جديدة وقيمة في هذا المجال. أجرى الدراسة فريق متخصص في علم النفس الطبي والجهاز الهضمي من جامعة بيرغن في النرويج، بالتعاون مع مستشفى جامعة هاوكلاند، ونُشرت في عام 2024 في المجلة العلمية BMC Gastroenterology.
هدفت الدراسة إلى فهم العلاقة بين الضغط النفسي والجهاز الهضمي، وتحديداً كيف تؤثر حالات القلق والتوتر واضطرابات النوم على أعراض القولون العصبي. ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون تقنيات حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الروابط بين الأعراض النفسية والعصبية والهضمية لدى المرضى.
كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أشارت إلى وجود خلل حقيقي في طريقة تواصل الدماغ مع الجهاز الهضمي لدى المصابين، إلى جانب ارتفاع معدلات القلق والإرهاق واضطرابات النوم. ويؤكد هذا أن القولون العصبي مرتبط بعوامل نفسية وعصبية وعضوية في آن واحد، وليس مجرد توتر عابر أو حالة نفسية بحتة.
يحمل هذا التحول في الفهم أهمية عملية حقيقية لكل من يتعايش مع القولون العصبي:
نظراً لأن القولون العصبي يقع عند تقاطع العقل والجهاز العصبي والأمعاء، فإن الإدارة الأكثر فعالية تكون عادةً شاملة. وبناءً على حالة كل فرد، قد يشمل ذلك تعديلات في النظام الغذائي، وإدارة التوتر، وتحسين عادات النوم، وتغييرات في نمط الحياة، وعلاجاً طبياً تحت إشراف متخصص. تختلف التركيبة العلاجية المناسبة من مريض لآخر، ولهذا السبب يعد التقييم الشخصي المتخصص أمراً بالغ الأهمية.
إن فهم أن القولون العصبي يتضمن العقل والجهاز العصبي والأمعاء معاً هو الخطوة الأولى نحو إدارته بفعالية. في مستشفى فقيه الجامعي، يتبع أطباؤنا نهجاً شاملاً يركز على المريض في مجال صحة الجهاز الهضمي، لمساعدتك على فهم حالتك وإيجاد حلول دائمة ومريحة.
إذا كنت تعاني من أعراض هضمية مستمرة، فإن الدكتور حكم البلعاس، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد والمناظير المتقدمة، وفريقنا الطبي المتكامل هنا لمساعدتك.
اضغط هنا للاستماع إلى الحلقة الكاملة