
إن الرغبة في التمتع باللياقة والصحة أمر جيد. ولكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض صور منتقاة بعناية ومعدلة رقمياً على أنها "المثالية"، يمكن للسعي الصحي نحو اللياقة أن يتحول بهدوء إلى شيء ضار. يحذر خبراء الصحة بشكل متزايد من ظاهرة "هوس اللياقة البدنية" المتنامية: اتباع أنظمة غذائية متطرفة وممارسة الرياضة بشكل مفرط في سعي لا يهدأ وراء "الجسم المثالي".
لقد ساهمت المقارنة المستمرة، التي تغذيها صور غير واقعية عبر الإنترنت، في انتشار هذه السلوكيات خاصة بين المراهقين والشباب. وعلى الرغم من أن الهدف قد يبدأ كتحسين للذات، إلا أن العواقب يمكن أن تؤثر على كل أجهزة الجسم تقريباً، من الهرمونات والخصوبة إلى العظام والقلب والصحة النفسية.
إن السعي للحصول على جسم صحي أمر إيجابي. تبدأ المشكلة عندما يصبح الوزن أو شكل الجسم محور حياة الشخص وتفكيره اليومي، وعندما يرتبط تقدير الذات برقم على الميزان أو انعكاس في المرآة.
يشير الخبراء إلى أن التقييم الطبي يصبح ضرورياً عندما يتحول النظام الغذائي والتمارين الرياضية إلى سلوك قهري يبدأ في التأثير على الدراسة والعمل والعلاقات والنوم والمزاج. في تلك المرحلة، لم يعد الأمر مجرد نهج حماسي للصحة. إن اضطرابات الأكل وممارسة الرياضة هي حالات طبية ونفسية حقيقية، وليست مسألة قوة إرادة أو غرور، وهي تستحق نفس القدر من الرعاية والتعاطف مثل أي مشكلة صحية أخرى.
يمكن أن تكون آثار اتباع نظام غذائي متطرف والإفراط في ممارسة الرياضة واسعة النطاق، وفي بعض الحالات، خطيرة. يسلط خبراء الصحة الضوء على عواقب قد تشمل:
والأهم من ذلك، أن العديد من هذه المشاكل تبدأ كأعراض تبدو بسيطة - مثل التعب، والشعور بالبرد، وتساقط الشعر، والصداع - والتي يمكن أن تتطور إلى مشاكل أكثر خطورة إذا تُركت دون معالجة.
عندما يفتقر الجسم إلى الطاقة الكافية، يبدأ في إيقاف الوظائف التي يعتبرها غير ضرورية للحفاظ على البقاء. لدى النساء، يمكن أن يؤدي هذا إلى اضطراب الإشارات الدقيقة بين الدماغ والغدة النخامية والمبايض، مما يسبب عدم انتظام الدورة الشهرية أو انقطاعها تماماً، ويؤثر على التبويض والقدرة على الإنجاب. أما لدى الرجال، فقد يؤدي سوء التغذية الحاد إلى انخفاض إنتاج الهرمونات الجنسية، مما يؤثر على الرغبة الجنسية ومستويات الطاقة والكتلة العضلية والخصوبة.
هذه ليست آثاراً جانبية بسيطة، بل هي مؤشرات على أن الجسم يتعرض لضغط كبير، وتستدعي تقييماً طبياً دقيقاً بدلاً من التخمين.
يمكن لفقدان الوزن السريع وغير الصحي أن يضعف العظام، خاصة لدى المراهقين والشباب الذين لا تزال أجسامهم في مرحلة بناء الكتلة العظمية. كما أن اختلال توازن الأملاح والمعادن الناتج عن التجويع أو السلوكيات المتطرفة الأخرى قد يسبب اضطرابات خطيرة في ضربات القلب. وغالباً ما يرتبط فقر الدم بنقص الحديد أو الفيتامينات أو البروتين، ولهذا السبب تحديداً يجب تشخيص السبب الجذري من قبل مختص، بدلاً من محاولة "علاجه" بتناول المكملات الغذائية بشكل عشوائي.
هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين الهوس بصورة الجسم وحالات مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل والعزلة الاجتماعية.
غالباً ما يبدأ الأمر بعدم الرضا عن شكل الجسم، مما يتحول إلى قلق مستمر بشأن زيادة الوزن. قد يدفع هذا الشخص إلى تقييد الطعام أو الإفراط في ممارسة الرياضة في محاولة للشعور "بالسيطرة". لكن الحرمان المستمر من الطعام يؤدي عادةً إلى زيادة التوتر والتهيج ومشاكل النوم وصعوبة التركيز، بينما يؤدي الشعور بعدم الوصول أبداً إلى الشكل "المثالي" إلى تآكل تقدير الذات وقد يتفاقم ليصل إلى الاكتئاب.
من المهم إدراك أن استمرار الشخص في هذه السلوكيات رغم علمه بضررها ليس عناداً، بل قد يكون جزءاً من الاضطراب نفسه؛ حلقة مفرغة قهرية تتطلب علاجاً متكاملاً ورحيماً.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في نشر هوس اللياقة البدنية، خاصة بين الشباب. تعرض المنصات صوراً معدلة ومنتقاة بعناية على أنها معيار طبيعي للجمال والنجاح، مما يدفع الكثيرين للاعتقاد بأن القبول الاجتماعي يعتمد على امتلاك جسم "مثالي". تروج بعض الحسابات لحميات قاسية أو "تحديات" متطرفة دون الإشارة إلى المخاطر الصحية أو الاختلافات الطبيعية بين الأجسام، ثم تقوم خوارزميات المنصات بإحاطة المستخدم بالمزيد من المحتوى المشابه، حتى تصبح الرسائل المتعلقة بالوزن والمظهر أمراً لا مفر منه.

إن التعرف على هذه العلامات، سواء في نفسك أو في شخص تحبه، هو الخطوة الأولى نحو الحصول على المساعدة. وقد تشمل:

هناك فئات أكثر عرضة للخطر من غيرها، بمن فيهم المراهقون الذين يمرون بتغيرات جسدية وضغوط الأقران، والرياضيون في الألعاب التي تتطلب وزناً منخفضاً، والأشخاص الذين يتعرضون باستمرار لتعليقات أو تنمر بشأن أوزانهم، وأولئك الذين لديهم تاريخ شخصي أو عائلي من اضطرابات الأكل، أو القلق، أو الاكتئاب، أو تدني تقدير الذات. كما يحتاج الأشخاص الذين يعانون من حالات صحية مزمنة إلى دعم خاص، ويجب ألا يقوموا أبداً بتعديل علاجهم الموصوف سعياً وراء فقدان الوزن.
في البحث عن نتائج سريعة، يلجأ البعض إلى حبوب التنحيف أو الحقن أو المنتجات العشبية دون إشراف طبي، وهو مسار قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تؤثر على القلب وضغط الدم والكبد والجهاز الهضمي. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة والخطيرة الاعتقاد بأن كل ما هو "طبيعي" آمن تلقائياً؛ ففي الواقع، قد تحتوي بعض المنتجات غير المرخصة على مواد دوائية أو منبهات غير معلنة. لا توجد طرق مختصرة وآمنة للصحة، وأي منتج أو برنامج يعد بنتائج مذهلة يستوجب الحذر الشديد.

الفرق بين النهج الصحي والنهج المتطرف بسيط من حيث المبدأ: يهدف النهج الصحي إلى تحسين العافية العامة ودعم احتياجات الجسم، مع حدوث أي تغيير بشكل تدريجي ومستدام. أما الحميات المتطرفة فتعتمد على الحرمان، وغالباً ما تؤدي إلى فقدان العضلات والعناصر الغذائية بدلاً من الدهون، مع الإضرار بالهرمونات والمناعة والصحة النفسية.
يجب أن يكون فقدان الوزن بشكل آمن، عند الضرورة، تدريجياً وتحت إشراف متخصصين مؤهلين، مع التركيز على الصحة والعادات بدلاً من مجرد رقم أقل على الميزان. فجسمك يستحق التغذية والراحة والرفق، لا العقاب.
إذا كان أي جزء مما سبق يبدو مألوفاً لك أو لشخص تهتم لأمره، يرجى العلم بأن هذه حالات صحية حقيقية وقابلة للعلاج، وأن طلب المساعدة هو علامة قوة لا ضعف. التعافي ممكن مع الدعم المناسب. في فقيه للرعاية الصحية، تقدم فرقنا رعاية متكاملة ورحيمة تجمع بين الخبرات الطبية والنفسية والغذائية لدعم صحتك وعلاقتك بجسدك.